الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

457

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وذهب البعض إلى أنه الشخص الذي لا يكذب مطلقا ، بل وأسمى من ذلك ، وهو أنه لا يملك القدرة على الكذب ، لأنه اعتاد طيلة حياته على الصدق . ويرى آخرون أن معناها الشخص الذي يصدق عمله كلامه واعتقاده . إلا أن من الواضح أن جميع هذه المعاني - تقريبا - ترجع إلى معنى واحد . على كل حال ، فإن هذه الصفة مهمة إلى حد أنها ذكرت في الآية - محل البحث - قبل صفة النبوة ، ولعلها بذلك تكون ممهدة لتلقي النبوة ، وإذا تجاوزنا ذلك فإن أبرز صفة يلزم وجودها في كل الأنبياء وحملة الوحي الإلهي أن يوصلوا أوامر الله إلى العباد دون زيادة أو نقصان . ثم تتطرق الآية التي بعدها إلى شرح محاورته مع أبيه آزر - والأب هنا إشارة إلى العم ، فإن كلمة الأب ، كما قلنا سابقا ، ترد أحيانا في لغة العرب بمعنى الأب ، وأحيانا بمعنى العم ( 1 ) - فتقول : إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . إن هذا البيان القصير القاطع من أحسن أدلة نفي الشرك وعبادة الأوثان ، لأن أحد بواعث الإنسان في معرفة الرب هو باعث الربح والخسارة ، والضر والنفع ، والذي يعبر عنه علماء العقائد بمسألة ( دفع الضرر المحتمل ) . فهو يقول : لماذا تتجه إلى معبود ليس عاجزا عن حل مشكلة من مشاكلك وحسب ، بل إنه لا يملك أصلا القدرة على السمع والبصر . وبتعبير آخر : إن العبادة يجب أن تكون لمن له القدرة على حل المشاكل ، ويدرك عباده وحاجاتهم ، سميع بصير ، إلا أن هذه الأصنام فاقدة لكل ذلك . إن إبراهيم يبدأ في دعوته العامة بأبيه ، وذلك لأن النفوذ في الأقربين أهم وأولى ، كما أن نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أمر أولا بدعوة عشيرته الأقربين كما جاء في ذلك في الآية ( 214 ) من سورة الشعراء : وأنذر عشيرتك الأقربين .

--> 1 - لقد بحث هذا الموضوع مفصلا ذيل الآية ( 74 ) من سورة الأنعام .